فخر الدين الرازي

59

لباب الاشارات والتنبيهات

وأما الكائن بحسب المعنى فهو على وجوه : أحدها : وهم العكس . مثل : إنه إذا كان كل ثلج أبيض ، يتوهم أن كل أبيض ثلج . وثانيها : أخذ لازم الشئ مكان الشئ . مثل إن الإنسان يلزمه أنه متوهم وأنه مكلف . فيظن أن كل متوهم مكلف . وثالثها : أخذ ما بالعرض ، مكان ما بالذات . مثل الحكم على السقمونيا بأنه مبرد ، لأنه أشبه ما هو مبرد ، من بعض الوجوه . وأما المخيلات : فهي قضايا ، يقال قولا ، فيؤثر في النفس تأثيرا عجيبا ، من بسط وقبض . وربما زاد على تأثير الصدق ، وربما لم يكن همه تصديق . كما إذا شبهنا العسل بالمرة المهوعة ، استقذره الطبع . وأكثر أفعال الناس مبنية على هذه المخيلات لا على الفكر . واعلم : أن المصدقات من الأوليات ، ونحوها . والمشهورات : قد تفعل فعل المخيلات من بسط النفس وقبضها ، لكنها تكون أولية ومشهورة باعتبار ، ومخيلة باعتبار . وليس يجب في جميع المخيلات أن تكون كاذبة ، كما لا يجب في المشهورات أن تكون كاذبة . وبالجملة : القول المخيل المحرك يتعلق تأثيره بكونه متعجبا منه ، إما لجودة هيئته أو قوة صدقة ، أو قوة شهرته ، أو حسن محاكاته .